ابن كثير
373
البداية والنهاية
منها ابن الزبير والحسين بن علي فقصدا مكة فأقاما بها ، ثم خرج الحسين إلى العراق وكان من أمره ما تقدم ، وتفرد بالرياسة والسؤدد بمكة ابن الزبير ، ولهذا كان ابن عباس ينشد : يا لك من قنبرة ( 1 ) بمعمري * خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري يعرض بابن الزبير . وقيل إن يزيد بن معاوية كتب إلى ابن الزبير يقول : إني قد بعثت إليك بسلسلة من فضة وقيد من ذهب وجامعة من فضة وحلفت لتأتيني في ذلك فأبر قسمي ولا تشق العصا ، فلما قرأ كتابه ألقاه من يده وقال : ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى تلين لضرس الماضغ الحجر فلما مات يزيد بن معاوية وابنه معاوية بن يزيد من بعده قريبا ، استفحل أمر عبد الله بن الزبير جدا ، وبويع له بالخلافة في جميع البلاد الاسلامية ، وبايع له الضحاك بن قيس بدمشق وأعمالها ، ولكن عارضه مروان بن الحكم في ذلك وأخذ الشام ومصر من نواب ابن الزبير ، ثم جهز السرايا إلى العراق ، ومات وتولى بعده عبد الملك بن مروان فقتل مصعب بن الزبير بالعراق وأخذها ، ثم بعث إلى الحجاج فحاصر ابن الزبير بمكة قريبا من سبعة أشهر حتى ظفر به في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين . وكانت ولاية ابن الزبير في سنة أربع وستين ، وحج بالناس فيها كلها ، وبنى الكعبة في أيام ولايته كما تقدم ، وكساها الحرير ( 2 ) ، وكانت كسوتها قبل ذلك الأنطاع والمسوح ( 3 ) ، وكان ابن الزبير عالما عابدا مهيبا وقورا كثير الصيام والصلاة ، شديد الخشوع جيد السياسة ، قال أبو نعيم الأصبهاني : حدثنا أبو حامد بن جبلة ، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ، ثنا أحمد بن سعيد الدارمي ، ثنا أبو عاصم عن عمر بن قيس . قال : كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة غير لغة الآخر ، وكان ابن الزبير يكلم كل واحد منهم بلغته ، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت : هذا رجل لم يرد الله والدار الآخرة طرفة عين ، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت : هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين . وقال الثوري : عن الأعمش عن أبي الضحى قال :
--> ( 1 ) في ابن الأثير 4 / 39 : قبرة . ( 2 ) في أخبار مكة للأزرقي 1 / 210 : كساها القباطي [ والقباطي : جمع قبطية بالضم وهو ثوب رقيق أبيض من ثياب مصر ] . وفي رواية عنده ص 254 أنه كساها الديباج الخسرواني : والديباج : القماش المنقوش وهي معربة . ( 3 ) الأنطاع : جمع نطع : وهو البساط . المسوح : المناديل .